سيد محمد طنطاوي

252

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ومن إيذائهم له - عليه السلام - ما رواه الإمام البخاري والترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم : إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء ، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل ، وقالوا : ما يستتر هذا الستر إلا من عيب بجلده ، إما برص ، وإما آفة . وإن اللَّه - تعالى - أراد أن يبرئه مما قالوا ، وإن موسى خلا يوما وحده فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل ، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها ، وإن الحجر عدا بثوبه ، وأخذ موسى عصاه وطلب الحجر ، فجعل يقول : ثوبي حجر ، ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ بني إسرائيل ، فرأوه عريانا أحسن ما خلق اللَّه - تعالى - ، وأبرأه اللَّه - تعالى - مما يقولون . . فذلك قوله - تعالى - * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى . . . ) * « 1 » . والمعنى : يا من آمنتم باللَّه - تعالى - حق الإيمان ، التزموا الأدب والطاعة والاحترام لنبيكم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم واحذروا أن تسلكوا معه المسلك الذي سلكه بنو إسرائيل مع نبيهم موسى - عليه السلام - حيث آذوه بشتى أنواع الأذى . وقولهم : لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ . . . واتخاذهم العجل إلها من دون اللَّه في غيبة نبيهم موسى - عليه السلام - . . * ( فَبَرَّأَه اللَّه مِمَّا قالُوا ) * أي : فأظهر اللَّه - تعالى - براءته من كل ما نسبوه إليه من سوء . * ( وكانَ عِنْدَ اللَّه وَجِيهاً ) * أي : وكان عند اللَّه - تعالى - ذا جاه عظيم ، ومكانة سامية ، ومنزلة عالية ، حيث نصره - سبحانه - عليهم ، واصطفاه لحمل رسالته . . يقال : وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه ، إذا كان ذا جاه وقدر . . ثم أمرهم - سبحانه - بمراقبته وبالخوف منه ، بعد أن نهاهم عن التشبه ببني إسرائيل في إيذائهم لنبيهم فقال : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه وقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً . . ) * . والقول السديد : هو القول الصادق الصحيح الخالي من كل انحراف عن الحق والصواب ، مأخوذ من قولك : سدد فلان سهمه يسدده ، إذا وجهه بإحكام إلى المرمى الذي يقصده فأصابه . ومنه قولهم : سهم قاصد . إذا أصاب الهدف . أي : يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللَّه وراقبوه وخافوه في كل ما تأتون وما تذرون ، وفي كل ما تقولون وما تفعلون ، وقولوا قولا كله الصدق والصواب .

--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 474 .